محمد جمال الدين القاسمي
408
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الأرباب ، فكانوا يتقربون إلى الهياكل ، تقربا إلى الروحانيات - يعني الملائكة - ويتقربون إلى الروحانيات ، تقربا إلى البارئ تعالى ، لاعتقادهم بأن لكل روحاني هيكلا ، ولكل هيكل فلكا ، فالهياكل أبدان الروحانيات ، ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات ، وهي أربابها ومدبراتها ، تتصرف في أبدانها تدبيرا وتصريفا وتحريكا ، كما يتصرف في أبداننا . ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه . ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب . وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب والسحر والكهانة والتختيم والتعزيم والخواتيم والصور ، كلها من علومهم . وأما أصحاب الأشخاص فقالوا : إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به ، وشفيع يتشفع إليه ، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل ، لكنا إذا لم نرها بالأبصار ، ولم نخاطبها بالألسن ، لم يتحقق القرب إليها إلا بهياكلها ، ولكن الهياكل قد ترى في وقت ، ولا ترى في وقت ، لأن لها طلوعا وأفولا ، وظهورا بالليل ، وخفاء بالنهار ، فلم يصف لنا التقرب بها ، والتوجه إليها ، فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا ، فنعكف عليها ، ونتوسل بها إلى الهياكل ، فنتقرب بها إلى الروحانيات ، ونتقرب بالروحانيات إلى اللّه تعالى ، فنعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى ، فاتخذوا أصناما أشخاصا على مثال الهياكل السبعة ، كل شخص في مقابلة هيكل ، وراعوا في ذلك جوهر الهيكل ، أعني الجوهر الخاص به من الحديد وغيره ، وصوروه بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه ، وراعوا في ذلك الزمان والوقت والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجومية ، من اتصال محمود يؤثر في نجاح المطالب التي تستدعي منه ، فتقربوا إليه في يومه وساعته ، وتبخّروا بالبخور الخاص به وتختموا بخاتمه ، ولبسوا ثيابه ، وتضرعوا بدعائه ، وعزّموا بعزائمه ، وسألوا حاجتهم منه ، فيقولون : كان تقضى حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات كلها ، وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنه أنهم عبدة الكواكب والأوثان ، فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب ، إذ قالوا بإلهيتها - كما شرحنا - وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان ، إذ سموها آلهة في مقابلة آلهة أولئك السماوية ، وقالوا : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] . وقد ناظر الخليل عليه الصلاة والسلام هذين الفريقين ، فابتدأ بكسر مذهب أصحاب الأشخاص ، وذلك قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وتلك الحجة أن كسرهم قولا بقوله : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ . ولما كان أبوه آزر هو أعلم